الذوق كسلطة: من الإحساس الفردي إلى القرار المهني
الأسس الإدراكية والأخلاقية والمهنية لفعل الحكم في فنون الطهي
تحميل المقال PDFلم يعد الذوق مسألة شخصية بريئة كما اعتُبر طويلًا، ولم يعد الإحساس بالطعم فعلًا حسيًا معزولًا عن السياق أو المسؤولية. فحين ينتقل الذوق من الفم إلى الحكم، ومن الانطباع إلى القرار، يتحول تلقائيًا من تجربة فردية إلى سلطة مؤثرة، ومن إحساس ذاتي إلى فعل مهني يحمل تبعات أخلاقية ومعيارية وربما قانونية. إن الإشكال الأكبر في عالم الطهي والتحكيم اليوم لا يكمن في غياب المهارة، بل في غياب الوعي بطبيعة الذوق نفسه، وباللحظة الدقيقة التي يتوقف فيها عن كونه رأيًا شخصيًا ليصبح قرارًا يُقيِّم، يُقصي، يُنصّب، أو يُسقط.
الذوق في جوهره ليس حاسة مستقلة، بل منظومة إدراكية مركّبة، تتشابك فيها الذاكرة، الثقافة، التوقع، اللغة، والسلطة. وما يتذوقه الإنسان لا يمر مباشرة من اللسان إلى الحكم، بل يمر عبر طبقات كثيفة من البرمجة الذهنية المسبقة. لذلك فإن الاعتقاد السائد بأن “الطعم لا يُجادَل” ليس سوى وهم مريح، يُخفي خلفه كمًّا هائلًا من التحيّزات غير المرئية. فالإنسان لا يتذوق ما هو موجود فقط، بل ما يتوقعه، وما اعتاد عليه، وما تعلّم أن يراه جيدًا أو رديئًا.
عندما يتذوق شخص طبقًا في مطعم، فإن أقصى ما يحدث هو تجربة ذاتية تنتهي بانطباع خاص. أما عندما يتذوق محكّم طبقًا في مسابقة، أو خبير جودة منتجًا غذائيًا، أو لجنة اعتماد برنامجًا تدريبيًا، فإن الذوق يغادر منطقة المتعة ويدخل منطقة السلطة. هنا لم يعد السؤال: “هل أعجبني؟” بل: “هل يستوفي؟ هل يرقى؟ هل يستحق؟”. هذه النقلة الدقيقة هي أخطر نقطة في العملية كلها، لأنها غالبًا ما تتم دون وعي، ودون تدريب حقيقي على الفصل بين الإحساس والقرار.
السلطة الذوقية لا تُمنح بالخبرة وحدها، ولا بعدد السنوات، ولا بعدد الأطباق المُعدّة أو المُتذوَّقة. فالخبرة غير المنضبطة قد تتحول إلى تحيّز مقنَّع، والمعرفة غير المفحوصة قد تصبح أداة إقصاء لا معيار تقييم. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي منظومة تحكيم أو تقييم مهني هو أن يُمنح شخص سلطة الحكم دون أن يكون مدرَّبًا على فهم كيف يعمل ذوقه، وكيف يمكن أن يخدعه، وكيف قد يُستَغل دون أن يشعر.
الخداع الحسي ليس استثناءً نادرًا، بل هو القاعدة غير المعلنة. اللون يغيّر الطعم، الاسم يغيّر التقييم، طريقة التقديم ترفع أو تخفّض القيمة المتصوَّرة، والسياق الاجتماعي قد يحوّل المتوسط إلى ممتاز أو العكس. هذه حقائق مثبتة علميًا، لكنها نادرًا ما تُؤخذ بجدية في تدريب المحكّمين. وهنا تظهر فجوة خطيرة بين ما نعرفه علميًا وما نمارسه مهنيًا. فالكثير من قرارات التحكيم تُتخذ بثقة عالية، لكنها قائمة على إدراك هشّ، لم يخضع يومًا للفحص أو التفكيك.
الذوق بوصفه سلطة يفرض سؤالًا جوهريًا: من يملك حق الحكم؟ هل هو من يُجيد الطهي؟ أم من يُجيد التذوق؟ أم من يُجيد الفصل بين إحساسه ومعاييره؟ إن الطاهي المبدع ليس بالضرورة محكّمًا عادلًا، كما أن المتذوّق الحساس ليس بالضرورة صاحب قرار مهني سليم. فالتحكيم ليس امتدادًا للموهبة، بل ممارسة مستقلة لها أدواتها وأخلاقياتها وحدودها.
في هذا السياق، يصبح الذوق مسؤولية. والمسؤولية تعني أن القرار الذوقي ليس حرًا بالكامل، بل مقيّدًا بالمعيار، بالعدالة، وبالوعي بتأثيره على الآخرين. فقرار واحد قد يرفع مسار طاهٍ، أو يُسقِطه، وقد يمنح شهادة، أو يسحب اعتمادًا، وقد يشرعن ممارسة، أو يُقصي مدرسة كاملة. لذلك فإن الادعاء بالحياد في الذوق المهني هو ادعاء غير دقيق، لأن المطلوب ليس الحياد المطلق، بل الوعي بالتحيّز وضبطه.
من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من التذوق الانطباعي إلى التذوق الإدراكي المهني. أي إلى تدريب الإنسان على مراقبة تجربته الحسية أثناء حدوثها، وعلى تفكيك أسباب الإعجاب أو الرفض، وعلى التمييز بين ما هو نابع من المنتج نفسه، وما هو نابع من ذاكرته أو ثقافته أو توقعاته. هذا النوع من التذوق لا يُدرَّس في دورات سريعة، ولا يُكتسب بالممارسة العشوائية، بل يحتاج إلى بناء معرفي متراكم، وإلى شجاعة فكرية لمساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين.
الذوق كسلطة لا يعني القسوة، ولا التعالي، ولا فرض الذائقة الشخصية بوصفها معيارًا عالميًا. بل يعني العكس تمامًا: يعني التواضع المعرفي، والاعتراف بحدود الإدراك، والالتزام بالمنهج قبل الانطباع. فكل سلطة غير واعية بذاتها تتحول عاجلًا أو آجلًا إلى أداة ظلم، حتى وإن حسنت نوايا أصحابها.
لقد آن الأوان للتوقف عن التعامل مع الذوق كموهبة غامضة، أو كحدس لا يُسأل، والبدء في اعتباره مجالًا معرفيًا قابلًا للتأطير، والتدريب، والمساءلة. فكما لا يُسمح لطبيب أن يتخذ قرارًا علاجيًا بناءً على “إحساسه”، ولا لقاضٍ أن يحكم وفق “ذائقته الشخصية”، لا يجوز لمحكّم أو خبير أو جهة اعتماد أن تتخذ قرارات مصيرية دون إطار إدراكي واضح، ومنهج مهني مُعلن.
إن إعادة تعريف الذوق بوصفه سلطة مهنية هو خطوة ضرورية لحماية المهنة نفسها، وحماية العاملين فيها، وحماية الجمهور من التزييف. وهو أيضًا خطوة أخلاقية تعيد الاعتبار لفكرة العدالة في التقييم، وللمسؤولية الكامنة في كل حكم يُصدر باسم الجودة أو الاحتراف أو التميز.
في النهاية، لا يصبح الذوق خطرًا إلا عندما يُمارَس بلا وعي، ولا يتحول إلى سلطة إلا عندما يُنكَر أنه كذلك. أما حين يُفهم، ويُدرَّس، ويُضبط، فإنه يتحول من أداة إقصاء إلى أداة بناء، ومن حكم متسرّع إلى قرار مهني ناضج. وهنا فقط، ينتقل الذوق من كونه إحساسًا فرديًا عابرًا، إلى كونه فعلًا مهنيًا مسؤولًا، يستحق أن يُمنح سلطة… لأنه يعرف حدودها.
المعدراني، أحمد.
علم التذوّق الحسي وتقييم النكهة في فنون الطهي.
كتاب علمي تخصصي، الطبعة الأولى، 2019.
الكود المرجعي:
IUOAMC-MJ-REF-UMAMI-2019
© جميع الحقوق محفوظة للمجلة الإلكترونية وللمؤلف.
يُمنع النسخ أو الاقتباس أو إعادة النشر، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة كانت، دون الإشارة الصريحة والواضحة إلى اسم المؤلف، واسم المجلة، والكود المرجعي المعتمد، وذلك وفق القوانين الدولية لحماية الملكية الفكرية.