نكتب للمهنة… ونحفظ ذاكرة المذاق
الافتتاحية الأولى لرئيسة التحرير جميلة خياري
تنزيل المقال PDFفي هذا المقال

جميلة خياري
رئيسة تحرير مجلة IUOAMC الإعلامية
رقم العضوية: MC5470MS · IUOAMC-MED-2026-C67B14E2
تبدأ مسؤولية الكلمة قبل نشرها. تبدأ حين نسأل عمّا نعرفه حقًا، وعمّن منحنا هذه المعرفة، وعن الأثر الذي سيتركه ما نكتبه في قارئ يتعلّم، أو طاهٍ يبني مستقبله، أو أسرة تحفظ وصفةً من ذاكرة بيتها. ومن هذا السؤال أبدأ مهمتي في رئاسة تحرير مجلة IUOAMC الإعلامية: كيف نجعل ما ننشره إضافةً تستحق وقت القارئ وثقته؟
في عالم يستطيع فيه الطبق أن يعبر القارات خلال ثوانٍ على شاشة هاتف، يصبح واجبنا أن نمنحه ما لا تمنحه الصورة وحدها: سياقه، ومعناه، وحكاية صانعه. فخلف النتيجة التي تصل إلى المائدة عملٌ لا يظهر كله في اللقطة؛ اختيار للمادة، وفهم لتحولاتها، وانضباط في التنفيذ، ومسؤولية عن سلامة من يتناولها. والكتابة الجيدة عن الطهي تُحسن رؤية هذا العمل وتُحسن شرحه.
قيمة المهنة في تفاصيلها
حين نقدّم طاهيًا إلى القرّاء، فإن أجمل ما يمكن أن نكشفه هو طريقته في التفكير. لماذا اختار هذه التقنية؟ كيف يعرف أن العجين بلغ المرحلة المناسبة؟ ماذا يفعل حين تتغير رطوبة الدقيق أو يتعطل إيقاع الخدمة؟ وكيف ينقل خبرته إلى من يعمل معه؟ في الإجابات الدقيقة تتضح قيمة التجربة، ويجد القارئ معرفة يستطيع أن يناقشها ويختبرها ويستفيد منها.
والخبرة تستحق لغةً تليق بها. لذلك أرى أن الحوار المهني يبدأ بالإنصات، ثم بالسؤال الذي يذهب إلى جوهر العمل. نريد للمجلة أن تقترب من المطبخ كما يُعاش كل يوم؛ بما فيه من تجريب وتصحيح وحساب للوقت والتكلفة، وبما يتطلبه من تعاون واحترام للعاملين. هناك تتكوّن الكفاءة، وهناك تتضح المعاني الحقيقية للمسؤولية والقيادة.
التراث أمانة توثيق
الوصفة الموروثة تحمل أكثر من مقاديرها. تحمل أسماءً محلية، وأدواتٍ وأساليبَ عمل، وعلاقةً بالموسم والأرض والمناسبة. وقد تحفظ ذاكرة امرأة لم يدوّن أحد اسمها، أو حرفة خبّاز انتقلت معرفته شفهيًا عبر أجيال. حين ننقل هذه الوصفة إلى صفحاتنا، تقع علينا مسؤولية أن نسأل عمّن رواها، وأين تعلّمها، وما الذي تغيّر فيها مع الزمن.
سنحتاج إلى الدقة حين تتشابه الأطباق وتتعدد الروايات. نعرض ما تسمح به الأدلة، وننسب كل رواية إلى مصدرها، ونوضح ما بقي مفتوحًا للبحث. بهذه العناية يستطيع التوثيق أن يحفظ تنوع المطابخ، ويجعل الاختلاف بابًا للفهم. فصون التراث يقتضي الأمانة في وصفه، والإنصاف في الاعتراف بمن حملوه إلينا.
لنتخيّل ملفًا عن خبز تقليدي في إحدى القرى: تبدأ قيمته حين نسجّل اسم من يصنعه، وتسمية أهل المكان له، ونوع الدقيق والفرن، والعلامات التي يعتمدها الخبّاز لمعرفة نضجه. ثم نبيّن كيف تعلّم صناعته، وما الذي تبدّل في مكوّناته أو طريقته. بهذه التفاصيل يستطيع القارئ فهم الصلة بين الوصفة وبيئتها، ويجد الممارس وصفًا يستفيد منه. هنا تتحول التغطية إلى سجل مهني يحفظ المعرفة وأسماء أصحابها.
المعرفة التي يستطيع القارئ استخدامها
حين ننشر مادة تعليمية، نريد أن يستطيع القارئ فهم خطواتها وحدودها. الوصفة القابلة للتطبيق تحتاج مقادير واضحة، ودرجات حرارة محددة بحسب العملية، وعلامات يستطيع الممارس ملاحظتها، وتفسيرًا للأخطاء المحتملة. وإذا وصفنا منتجًا أو تقنية، فعلينا التمييز بين ما جُرّب، وما لوحظ، وما يحتاج إلى اختبار إضافي. هذه الدقة تمنح القارئ قدرةً على اتخاذ قرار واعٍ.
وتكبر مسؤولية المجلة حين تقترب من قضايا السلامة أو التغذية أو التقييم المهني. هنا يجب أن تتناسب قوة العبارة مع قوة الدليل، وأن يُطلب رأي المختص في موضعه. ومن احترام العلم أن نجعله مفهومًا، ومن احترام القارئ أن نوضح حدود المعلومة من دون أن نثقلها بالغموض أو نختزلها في وعد مضلل.
الثقة تُبنى في الممارسة
أطمح إلى تحريرٍ يحفظ أسماء أصحاب النصوص والصور، ويبيّن طبيعة المحتوى المدفوع أو الترويجي، ويتيح مساحةً لتصحيح الخطأ الموثّق. وأرى في التصحيح العلني امتدادًا لمسؤولية النشر؛ فمن حق القارئ أن يعرف ما تغيّر ولماذا، ومن حق صاحب العمل أن تُنسب إليه مساهمته بوضوح.
كما أريد لهذه الصفحات أن تتسع للخبرة حيث توجد: لدى الطاهي الذي يصوغ أسلوبه، والحرفي الذي يحفظ تقنية دقيقة، والباحث الذي يشرح تحولًا في المادة، والمعلّم الذي يجعل المهارة قابلةً للتعلّم. وأتطلع إلى حضورٍ منصف للنساء والشباب وأصحاب المبادرات المحلية، تُقرأ فيه الأعمال بعناية، وتُمنح التجارب الجادة فرصةً لتشرح نفسها.
في هذه الافتتاحية الأولى، أضع رؤيةً أقيس بها عملي: أن يخرج القارئ من صفحاتنا بمعلومة أوضح، وسؤال أعمق، وتقدير أدق للجهد الذي تصنعه المهنة. وأدعو أصحاب التجارب إلى مشاركتنا أعمالهم ومصادرهم وأسئلتهم، لنكتب عن الطهي بما يستحقه من معرفة ووعي وإنصاف.
نكتب لأن المهنة تستحق أن تُفهم. ونوثّق لأن ذاكرة المذاق تستحق أن تصل إلى الغد بأسماء أصحابها وحقيقة تجاربهم.
تصميم تحريري مخصص للمقال باستخدام صورة رئيسة التحرير.
IUOAMC MEDIA | AI-assisted editorial artwork رابط المصدر أو الترخيص